توفيق أبو علم
192
السيدة نفيسة رضي الله عنها
القاسم بن محمد بن جعفر الصادق رضي اللَّه عنهم ، وكان من أهل الصلاح والتقوى والدين والعبادة ، وله مشهد جليل بناه الظافر ؛ الخليفة الفاطمي ، وكان يحمل إليه النذور . وكان الفاطميون يأتون إلى هذه المشاهد ويتصدّقون عندها بالأموال . قال أبو عمر الكندي « 1 » : وكانوا يجعلون عليها الستور . ومات علي بن القاسم هذا سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ، وحين تشفّع لعفّان بعث إليه عفّان في الليل مائة دينار ، فردّها وقال للذي جاء بها له : قل له : إنّ اللَّه تعالى يقول : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها « 2 » فكيف أبيع نصيبي بمائة دينار ؟ ! 3 - وحُكي عن أبي العزّ اليماني أنّه قال : كنت عزيزاً في قومي ، أثيراً في عشيرتي ، من أكثرهم مالًا وضياعاً ، فاستطلت بنفسي ، وشمخت بأنفي ، وتكبرّت على الناس واحتقرت أمرهم ، فلم ألبث حتّى ذهب مالي وضاعت ضياعي ، فضاقت بي الأرض بما رحبت ، واشتدّ بي الحال ، وصرت كاسف البال ، فشمت بي العدو ، ورثى لي الصديق ، فشكوت أمري إلى أحد أصدقائي ، فأشار عليَّ بزيارة الصالحين والدعاء عندهم ، عسى اللَّه تعالى أن يأتي بفرجه القريب ، فيذهب عنّي ما نزل بي ، فاعتزلت الناس . فرأيت يوماً في نومي كأنّي في فضاء واسع ، فيه نور ساطع ، يظهر آونةً ويختفي أُخرى ، فأخذني العجب من ذلك ، فإذا بقائل يقول : هذا نور السيّدة نفيسة بنت الحسن رضي اللَّه عنهما ، فقلت : عسى اللَّه أن يجمع بيني وبينها فأسألها الدعاء بأن يكشف اللَّه كربتي ويفرّج غمّتي ، فقيل لي : إنّها قد توفيّت ، فقلت : أغتنم بركة زيارتها ، فسمعت من يقول : أنا نفيسة يا أبا العزّ ، ففارق نفسك ، وانزع عنها سوءها ، فقلت : فارقتها فرقةً لا عودة لي إليها ، وإنّي تبت إلى اللَّه عزّوجلّ ممّا فرط منّي ، فقالت : أبشر ، فقد قُبِلت التوبة ، وزالت الحوبة ، فأصبحت فرحاً بما رأيت ، وما لبثت أن زالت غمّتي ، وانفرجت كربتي ، وحسن حالي ، واستروح بالي ، وصرت في حالةٍ أحسن من حالتي السابقة ، وأفاض اللَّه عليَّ من نعمائه ، وأسبغ عليَّ من
--> ( 1 ) هو محمد بن يوسف بن يعقوب بن حفص بن يوسف بن نصر ؛ أبو عمر الكندي التجبيبي ، صاحب المصنّفات الكثيرة في تاريخ مصر وأحوالها . كان عارفاً بأحوال الناس وسير الملوك . ولد سنة 283 ، وتوفي سنة 353 ه . ( الولاة والقضاة : ص 4 ) . ( 2 ) سورة النساء : 85 .